الجمعة، 22 أغسطس، 2008

حول الكتابة - 2 من كتير


مع الوقت، كل حاجة - تقريبا - بتتغير، حتى علاقتنا بالكتابة، اللى هى ممكن تكون أهم حاجة فى حياتنا على حسب كلامنا، وعلى حسب تصرفاتنا وعلى حسب الوقت والطاقة اللى بنحاول نكرسهم ليها.
أول ما كل واحد فينا ابتدا يكتب، ماكنش تقريبا يعرف أى حاجة، ماعندوش فكرة هو بيعمل إيه أصلا، بيخبط فى الضلمة، لا عارف يعنى إيه نوع ولا شكل ولا مضمون ولا أسلوب ولا غيره. لا عنده فكرة عن الجوايز ولا أفضل المبيعات ولا الجمهور ولا النقاد ولا الندوات وحفلات التوقبع، إلخ إلخ إلخ.
لو الواحد يقدر يفتكر - كل يوم أو حتى كل أسبوع - هو إزاى ابتدا يكتب وليه، ممكن ده يحميه من حاجات كتير قوى- مشاكل أو أفخاخ ممكن يقع فيها - أنا مثلا، ابتديت أكتب ليه؟
1- لأنى اكتشفت إن الرسم محتاج فلوس كتير علشان الواحد يقدر يركز فيه ويعمل معاه حاجة بجد..
2- ولا لأنى سمعت قصة المحفظة بتاعة يوسف إدريس فى الراديو، لما مات، وعملوا لها سهرة خاصة، وبهرتنى حالة تحول الولد الصغير إلى راجل مسئول فى لقطة صغيرة ومحبوكة وموجعة.
3- ولا لأنى كان عندى كلام كتير جدا، مش عارف ينفع أقوله ولا لأ، مش عارف حتى ممكن أقوله لمين، فكتبته وخلاص.
4- ولا لأنى كنت عايز ألفت انتباه اللى حواليه - كلهم كلهم - ليه، بشطارتى فى صياغة الجمل، والأكاذيب، وابتكار الأفكار.
دلوقت، مش عارف، ممكن تكون الحاجات دى كلها متفرعة عن حاجة أبعد منها، الماسورة الأم، الكابل الرئيسى، النبع، الحاجة الغامضة اللى كانت ممكن، زمان على الأقل، تصحينى من عز النوم، علشان أسجل فكرة قبل ما تضيع.
طيب سيبنا من زمان، اللى حصل حصل وخلاص، دلوقت أنا لسه بأكتب ليه، يا ترى لسه فيه سحر بجد زى زمان فى عملية الكتابة، لسه فيه دهشة، لسه فيه متعة الاكتشاف، لسه ولا خلاص، الموضوع بقى بيتكرر بحكم العادة، بحكم إنى اتحسبت كاتب ولازم أكتب وخلاص، عشان ما أخذلش نفسى وأخذل اللى حواليه - اللى كنت من فترة حابب اجذب اهتمامهم بأى طريقة ودلوقت مش طايق الحد الأدنى من الاهتمام ده، وعايز أختفى بكل الطرق الممكنة -
محتاجين - أنا على الأقل محتاج - ننكش بإبرة على المتعة البكر اللى كنا بنلاقيها فى الكتابة، حتى ولو كتبنا كل يوم، وده مش عيب زى ما بعض الأغبيا بيقولوا، حتى ولو كتبنا كل يوم لازم نحس جوانا نفس الزغزغة الغريبة، نفس القلق والرعب من الورقة البيضا، نفس لهفة أول معاد غرامى. عشان ما نتحولش لمخلوقات غريبة، الكتابة بالنسبة لها زى طب الأسنان أو تسليك البلاعات، موظفين من نوع غريب، مساجين بإرادتهم، بيمثلوا إنهم مهمين وهمه عارفين إنهم مش مهمين ولا حاجة، وإن الدنيا بيهم ولا من غيرهم ماشية، ويمكن من غيرهم تمشى أحسن بكتير.

السبت، 7 يونيو، 2008

حول الكتابة - 1 من كتير



ساعات بيتهيألى إن الواحد علشان يكتب مش محتاج حاجة خالص، آه، يمكن ورقة وقلم، أو كمبيوتر، يمكن شوية وقت لوحده أو مكان ينفع يكتب فيه. ويمكن محتاج كل حاجة، فى نفس الوقت، محتاج للسما وللأرض بالدرجة نفسها، محتاج لكل البشر اللى اتولدوا وعاشوا وماتوا من ساعة ما البشر قالوا احنا هنا.
البشر دول جوا كل واحد فينا، لسه عايشين وشغالين جوانا زى خلية النحل، نسميهم بقى أطياف أو أشباح أو لاوعى جمعى، مش قضية كبيرة، بس همه موجودين، اخترعوا اللغة اللى احنا لحد دلوقت بنشتغل عليها وبنحاول نطورها بما يتناسب مع مصالحنا وأغراضنا. اخترعوا فكرة اللغة على الأقل، علشان يتواصلوا بسهولة أكتر. حتى ولو فيه ناس ممكن تقول إن اللغة صعبت التواصل الإنسانى أكتر، بس انتقال المعرفة كان هيبقى مستحيل من غيرها.
من كام سنة كان فيه كلام حوالين إن الصورة هتاكل اللغة، وإن الأدب المكتوب هيشهد نهايته قريبا. دلوقت كل الناس بتكتب وتقرا، طبعا فيه مبالغة ف كلامى، لأن فيه معندهاش أى وقت لا تقرا ولا تكتب، وفيه ناس تانية أصلا مابتعرفش تقرا وتكتب، ودول كتير جدا، لكنهم جوانا، بطريقة أو أخرى فاعلين وشغالين، زى خلية نحل برضه، فى كل عملية كتابة بتحصل دلوقت بالذات. أقصد إن كل الناس بتكتب وبتقرا، حتى لو كانت بتكتب وبتقرا رسايل على الموبايل، أو رسايل على الإيميل، أو صفحات على الانترنت، أو تعليقات على الصور والحاجات اللى على الفيس بوك، وده كله كوم والمدونات كوم تانى خالص، اللى خلت الكتابة فعل يومى وبسيط ومافيش أسهل من كده، بالنسبة لأى حد بمتلك الشروط الأساسية للتدوين.
زحمة، الدنيا فعلا بقت دلوقت أزحم من أى وقت فات، والمعرفة، بمعناها المباشر أو الواسع أو النص نص، كل يوم بتبقى مهمة مستحيلة أكتر من الأول.
بس احنا مش محتاجين نعرف كل حاجة، علشان نكتب، وإلا ماحدش هيكتب بيت واحد فى قصيدة أو سطر واحد فى مدونة، مش محتاجين غير إننا نفهم طبيعة الرسالة، مين هو الراسل، أنا؟ يعنى إيه؟ ومين هو المرسل إليه؟ إنت؟ يعنى إيه؟ وطبعا دى مهمة مش سهلة خالص، بالعكس، البعض بيشوفوها مهمة برضه مستحيلة، لكن الأهم إننا بنقدم لها حلول وأجوبة كل لحظة، طول ما احنا عايشين، زى ما الأوائل اخترعوا اللغة واتفقوا فى تواطؤ عام على اعتباطيتها، وإنها مجرد أصوات أو اشكال لا تعبر عن شىء فى ذاتها، احنا كمان بنحاول نتواطؤ علشان نتواصل، علشان نقرا و نكتب، علشان نحاول نعرف بعض، ويمكن بالمرة نعرف نفسنا أكتر.
والكلام ماخلصش على كده.

الجمعة، 9 مايو، 2008

عن مسعد أبو فجر، الروائى و السجين السياسى




لم أتعرف على مسعد أبو فجر، إلا بعد قراءة روايته الأولى طلعة البدن. و التى أظن أنها أول رواية مصرية تكشف كل هذا القدر من المسكوت عنه، اجتماعيا و سياسيا عن بدو سيناء، و علاقتهم بباقى الإخوة المصريين، أو الفلاحين، كما يقول البدو.

الرواية ليست نقة نوعية فى تاريخ الكتابة الأدبية، من ناحية، و لكنها أيضا ليست رغى و وجع دماغ ع الفاضى. الرواية معندهاش بنية محكمة، بس الحكايات اللى بتتداعى فيها تستحق التأمل و التوقف عندها.

قابلت مسعد بعد ما قريت روايته، و كتبت عنها فى أخبار الأدب، فى ندوة ميريت، و قابلته بعدها بالصدفة مرة واحدة بس على قهوة التكعيبة، و كان يبدو دائما غاضبا ناقما، يشعر و كأن هناك حريق يشتعل فى مكان ما، و لا أحد يفكر فى النهوض لإطفاء النار.

مسعد الآن معتقل منذ ما يزيد عن العام، بسبب ممارساته السياسية، التى هي عيب و حرام جامد جدا، عموما، و خصوصا فى مكان له حساسية خاصة زى سينا.

تعالوا ما ننساش مسعد، و كل اللى زيه، روائيين أو حتى نجارين مسلح، معتقلين بسبب أنشطتهم السياسية أو حتى لمجرد الاشتباه،أو لأنهم غلطوا و محلقوش دقنهم كام يوم.

المقال التالى عن رواية مسعد، هو اتنشر قبل كده، قبل ما مسعد يبقى فى طى النسيان.

طلعة البدن رواية مسعد أبو فجر:
بين مأزق الروائي و هواجس القارئ


· يجد الروائي نفسه في مأزق ، حين يعمد إلى تقديم عالم جديد نسبيا على القارئ ، و غريب بالخصوص على فضاء الرواية المعهود : فهو من ناحية يستشعر بفرح بكارة و جدة الواقع الذي يوشك على مقاربته ؛ غير أنه من ناحية أخرى لا يود أن يسقط في فخ هذه البكارة نفسها، لاعبا دور المرشد السياحي للقراء المستعدين سلفا للدهشة إزاء كل ما هو غرائبي ( exotic) و مفارق.
· لابد أن هواجس من هذا القبيل ستطوف بك عند انتهائك من قراءة رواية مسعد أبو فجر، الصادرة حديثا عن دار ميريت. صحيح أن الرواية تعتمد في مادتها الخام على عالم بدو سيناء ، الذين كثيرا ما وجدوا أنفسهم طرفا ثالثا في حروب لا شأن لهم بها، و كثيرا ما دفعوا ثمنا غاليا لمجرد وجودهم في فضاء شديد الحساسية سياسيا، لكنها لا تكتفي بهذا المصدر على المستوى الأيقوني الجمالي ، و بالطبع لا تقدمه باعتباره فولكلورا ، كما أنها لا تدين التقاليد البالية و التعصب القبلي و السلطة الذكورية ، و إلى آخر قائمة المثالب المرتبطة غالبا بهذا النوع من الأدبيات . لكن ماذا تحاول الرواية تقديمه بعد استبعادها لتلك الدروب المعبدة و السهلة ؟ لعله سؤال آخر من بين تلك الأسئلة التي سوف تراودك بعد القراءة!
· منذ الصفحات الأولى ستجد نفسك في قلب متاهة من الأسماء و الحكايات الصغيرة المنجزة قبل ولادتك كقارئ، و يكون عليك أن تفض تشابك الفروع و الأغصان لتشق سبيلك على أمل اتضاح الرؤية بعد قليل. الراوي الذي يتغير من الراوي المشارك ، ربيع ، إلى الراوي الغائب العليم بعد قليل ، لا يبخل على قارئه بالكلام الشخصي الحميم، كلام صديق لصديق حول نار في صحراء ، كلام يقصد به أساسا الرغبة في الاستمرار في الحكي، لأطول وقت ممكن، ربما تتضح الرؤية، و لا مانع عندئذ من اللجوء إلى صفحات التاريخ ( الرسمي الموثق ) من أجل إضاءة بعض جوانب الحاضر ، و مصائر الشخوص في تقاطعها مع حكايات القادة و أمجاد الحروب. و تتابع الحكايات الصغيرة في نسيج لوحة فسيفساء هائلة بلا أول أو آخر، تمتد في الزمن و المكان: في الزمن حتى الملك سنفرو الذي يجثو أمامه أحد البدو في لوحة بالمتحف المصري، و ربما قبل ذلك ، و تمتد في المكان نحو المطارح التي انتهى إليها البدو بإرادتهم أو رغما عنهم ، بين اسرائيل و الأردن و ليبيا .

· و طالما اعتصم السرد بحبل حكاية ما هاهنا فهو يمضي بلا تعثر، فنرى الجملة الفعلية متدفقة الحركة تقدم المشهد بأبعاده و الشخصيات بسرائرها دون نتوءات، و يكاد يغيب تعليق الراوي إلا عندما تنتهي حكاية ما ، يعود الراوي ليفتح قوسا جديدا، أو ليتذكر شيئا فاته ، دون أن يجد أية غضاضة في الإفضاء إلى قارئه بنواياه، و هو في غنى عن أن يحدثه حديث الصديق للصديق. و قد لا يكون لأغلب الحكايات صلة وثيقة ببعضها البعض، فهي لا توضع في خدمة سياق منسجم من الأول للآخر، و كأن كل حكاية تنطوي على أهميتها الخاصة دون أن تندمج بغيرها، مثل البدوي الذي يشبه بدوره حبة الرمل التي تمر بها الدهور دون أن ( تندمج ) بسواها . كما يتكاثف بداخل كل حكاية نوع من تاريخ للبدو، ذلك التاريخ غير المكتوب الذي يتجسد في لحظات يومية و طقوس بسيطة يمارسها حاملوه دون وعي، و تتكرر و تدوم ماداموا هم، من قبيل طقوس عمل الشاي و إعداد رغيف خبز من الماء و الدقيق وسط الصحراء ، أي بعيدا عن مضارب القبيلة ، و قد وصفت هذه الطقوس بالتفاصيل نفسها تقريبا مع حكاية القطيفي و مع مشهد عساف ، و هو واحد من الأصدقاء الثلاثة الذين يتمحور السرد حولهم، حين خرج للصيد مع عودة و مصلح، و ذلك بالطبع بعد مرور سنوات كثيرة من مأساة القطيفي مع السلطة و جنونه، و لعلها تجد جذورها قرب نهاية الرواية عند أبي زيد الهلالي في حكايته مع أبناء أخيه ثم أبناء أخته . و يظل الراوي حتى النهاية تقريبا ، يرجئ القول الفصل ، و يلجأ لآليات من قبيل: انتظر قليلا ، اصبر علي ، سأخبرك فيما بعد، بعد أن أنهي هذه الحكاية ، و يفتح قوسا ليغلقه بعد صفحات، و كأن الرواية كلها هوامش عديدة على متن الحياة التي تعاش و تنقضي و خلاص، أو كأن الدائرة لا تكتمل أبدا، و يظل المعنى على هذا مرجأ ، إن كان ثمة معنى نهائي وراء هذا كله، فالمعنى بوصفه حكما نهائيا و حاسما ، من النوع الذي لا يعتمده السرد هنا ، بالضبط كما تنتهي الرواية و عساف ينظر إلى ساعته و يقلب الراديو بين محطتي البي بي سي و مونت كارلو، بعد أن اختطف، غاليت الرومانية ، لكي تفرج السلطات المصرية عن صديقه عودة.
· الحكاية الوحيدة التي تتفرع عنها شجرة الحكايات ليست حكاية بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما هي تتبع لتحركات ثلاثة من الأصدقاء من بدو سيناء، و خلفيات حياتهم و أسرهم و علاقاتهم المتشعبة داخل و خارج القيبلة. في محاولة شجاعة لتعريف معنى البداوة، دون الإيهام بأي حياد معرفي زائف، بل بضرب من التورط و الانحياز الإنساني قبل كل شيء آخر : ربما في مواجهة مع كل المقولات الشائعة التي وضعتهم خارج إطار الهوية المصرية المزعومة ( بمعناها الرسمي الخطابي البائس في توهم نقائه ) من نوع أنهم هم من اشتروا الأسلحة من الجنود المصريين مقابل شربة ماء و انتهاء بعمالتهم لإسرائيل ، تلك الاتهامات الجاهزة لدى جميع ( المصريين ) في الرواية ، سواء من رجال الشرطة أو الأستاذ الجامعي ، و يتم التأكيد في المقابل على القيم الإنسانية النبيلة التي تقوم عليها حياة البدوي، مثل استعداده لتقديم حياته ثمنا لحريته، بينما الفلاح مستعد لتقديم حريته ثمنا لحياته. لكن الرواية لم تتورط في سؤال الهوية على مستوى السرد تورطا يستحق التوقف عنده ، ربما لأنه ليس سؤال البدو، أبطال عالمها، إلا عندما يخرج واحد منهم عن نطاق الجماعة طلبا للعلم أو للمال، فيصطدم بنظرة الآخر له، هو الذي يحمل بداوته في داخله كتاج من التميز و التفرد، و قد يصير عندها على التخوم في نظر الآخرين من البدو ، مثل عودة ، الذي يجد أنه في علاقته بكوكب الزهرة يحتفي ببداوته على طريقته الخاصة، ذلك الكوكب الذي عبده أجداده ، يحتفي ببداوة أخرى بعيدة كل البعد عن مجلس شيخ القبيلة الذي يعتبر الجالسين فيه مجرد عدد. و هنا تتحول الهوية البدوية، إلى شيء أكثر خصوصية، قد يتماس معها بحكم الإرث الطبيعي الذي يجري مجرى الدماء ( الختم على جبهة ربيع لن ينمحي ، تاركا أثر الأسطورة على بدنه ، ). لكن سبيل التوصل إلى ذلك الشيء الأكثر خصوصية لا مناص يمر بكل المنعطفات التي يشكلها فخ الوجود كإنسان، في نسيج من الزمان و المكان و العلاقات و الأحداث و الأصول و الفروع . مما يصل بنا إلى الاقتباس الجميل عن بيسوا قبل بداية الرواية: " أتلمس تقاليد بارزة فيّ قبل الزمان و المكان و الحياة و الوجود..."
· و بكلمة ، تستحق هذه الرواية أكثر من قراءة : قراءة متورطة، و أخرى محايدة، و قراءة مغرضة ربما، و غيرها...و لم تكن قراءتي لها إلا من النوع الخاطف المبدأي و الانطباعي بالأساس. لأكتشف بعد الانتهاء منها أنها لم تتركني أكثر اطمئنانا أو يقينا، لدرجة أن أشعر أن ما رأيت فيها من عيوب سردية في البداية صار هو نفسه أهم نجاحاتها، بالنسبة لي طبعا، لأنها خدعتني ذلك الخداع المحبب، فحولتني بعيدا عما كنت أتوقع و أحب و أرجو.

الأحد، 4 مايو، 2008

جنينة الأسماك


كنت ناوى أكتب عن عيد ميلاد واحد صاحبنا، بس تراجعت ف آخر لحظة و قلت لا يا واد، خلى المدونة للفن و الأدب و الحاجات التافهة دي و خلاص، و أوعاك تنزل لمستوى السياسة و الكلام الكبير اللى يودى ف داهية.
ما علينا، كالعادة معظم المثقفين و النقاد اللى بيفهموا عجبهم فيلم جنينة الأسماك، يمكن لأسباب مختلفة، و كالعادة ف الحوارات الللى عملها يسرى نصر الله فى الجرايد اضطر يشرح نقط معينة ف الفيلم، زي مثلا إن الشخصيات الثانوية هى اللى بتكسر الإيهام، و تتكلم عن نفسها بصراحة، على عكس شخصية هند صبرى و عمرو واكد، لأنهم محبوسين دوا نفسهم، و كأن كل الشخصيات التانية دى متحررة و لا خايفة و لا نيلة، و إن حتى صاحبة هند صبرى الثورية شوية مش ممكن تكون متنيلة محبوسة جوه قناع خنيق زي قناع المذيعة الانتهازية صاحبتها. بصراحة كلام مش مقنع.
أنا عن نفسى بأحب تقنية كسر الإيهام، بس بأحبها أكتر لما يكون فيه إيهام أصلا، يعنى حدوتة من نوع ما، و لو غير تقليدية، و لو عبارة عن مجموعة من مشاهد بيربطها خيط واهى للغاية، لكن لما مابيبقاش فيه حدوته أصلا، و الشخصية من دول بتطلع ف مشهد عادى لمدة دقايق عشان بعد كده تبص للكامريا و تتكلم عن شخصيتها فى الفيلم، اللى مالحقتش تبان من الأساس، يبقى فيه حاجة مش مظبوطة، و يبقى السينما الرواية بتنفسن و بتحقد على السينما التسجيلية لقدرتها العظيمة على رصد العالم زي ما هو من غير أقنعة.
أنا مش ناقد سينما، بس بأحب السينما، و بأحب أفلام يسرى نصر الله خصوصا: المدينة و سرقات صيفية أكتر اتنين بأحبهم. بس من حقى أسأل هل ممكن نرصد العالم زي ما هو، من غير ما نزيفه، أو نجمله، أو نشوهه، أو...أو...أو...، من خلال الوعى اللى بيقوم بعملية الرصد دى نفسها.
أكتر جزء عجبنى فى الفيلم هو حكاية الأميرة اللى حبت عصفور، و أعلنت حبه للناس كلها، حتى لو اعتبروها مجنونة، بس بعد ما فات الأوان للأسف. الحدوتة نفسها عجبتنى، و طريقة تنفيذها على نمط السينما الصامتة و الأبيض و الأسود كانت تجنن.

بأعترف الفيلم شغللى دماغى، و عجبتنى هند صبرى و عمرو واكد جدا، هند فى مشهد العيادة لما بتمسح ماكياج وشها كانت غير عادية. حتى سماح أنور كانت جامدة جدا فى المشهد بتاعها، و جميل راتب عالى ، و أحمد الفيشاوى شغال جدا.

السؤال اللى واقف ف زورى هو إذا كان ناصر عبد الرحمن فعلا سيناريست موهوب و جميل، ليه الواحد لحد دلوقت مش قادر يحس بطعم خاص لكتابته، و ازاى كتابته بتقدر تتشكل عشان تناسب مخرجين مختلفين جدا زى خالد يوسف بميوله العنيفة فى تشريح جسم المجتمع، و يسرى نصر الله صاحب الفلسفة البصرية الراقية. هل ده معناه شطارة و لا إنه مجرد دراماتورجى مهاود، بيعرف يعوم على عوم المخرج؟ الله أعلم.

متأكد إن رأيي ف الفيلم هيتغير مع مشاهدتى ليه أكتر من مرة، و لأن ده حصللى قبل كده مع أفلام مهمة كتير. بس اللى متأكد منه إن يسرى نصر مخرج خارج سياق المنافسة التجارية القذرة، قادر يعمل أفلام تعيش و تتشاف عشرات المرات. أنا بأحب الراجل ده!

الجمعة، 25 أبريل، 2008

عن العمامة و القبعة و صنع الله إبراهيم


طبعا صنع الله إبراهيم روائي كبير و معروف.
معروف عنه إنه بيكتب في مناطق سخنة، من النواحي السياسية و الاجتماعية و كده يعني. معروف عنه كمان المجهود التوثيقي الهايل اللي بيقوم بيه ف أغلب أعماله، زي شرف و وردة و بيروت بيروت. معروف عن صنع الله كمان إنه ميال شوية ناحية اليسار، و إنه رفض جائزة مؤتمؤ الرواية في حادثة غير مسبوقة في الوسط الثقافي و الأدبي في مصر على الأقل.
الصراحة لحد وقت قريب جدا، ماكنتش بأحب أغلب شغل صنع الله إبراهيم، لأني كنت بأشوف إنه بيحجم البني آدم بتاعه في البعد الاقتصادي و الاجتماعي و بس، و إنه لغته ناشفة و شبه لغة الجرايد و الوثائق اللي هو بيحضر شغله منها.
بأقول لحد وقت قريب لأني ابتديت، و لو بدرجة ما أبص لشغله نظرة مختلفة، كطريقة خاصة في الكتابة، مش شبه حد، و كمشروع فني و تحريضي و بحثي كمان.
ما علينا، باختصار عجبتني روايته الأخيرة العمامة و القبعة، قريتها ف الأول بدافع الفضول ، لأني بأحب الفترة ده من تاريخ مصر، أقصد فترة المماليك و الحملة الفرنسية و العك ده كله، و بالذات بعج فيلم وداعا بونابرت بتاع شاهين، مع إني نفسي أشوف الفيلم ده مترجم علشان عقدتي القديمة مع الفرنساوي.
طيب، ليه عجبتني رواية صنع الله؟
1 - لأنه مش من السهل أبدا، إن مبدع ، سواء روائي أو سينمائي أو حتى مؤرخ من نوع صلاح عيسي مثلا، إنه يعيد إحياء زمن بحاله بخريطته الاجتماعية و الجعرافية، اتسترا اتسترا اتسترا ، من شوية وثائق و كتب و مراجع، العملية دي من بره نشوفها عادية و سهلة بعد ما يتم إنجازها ، لكن اللي حاول قبل كده محاولة و لو بسيطة من النوع هيكتشف قد إيه هي صعبة و مرهقة و محتاجة مجهود غير عادي .
2- التاريخ مش نص، على رأي ناقد كبير بنيوي مش فاكر اسمه دلوقت، بس ما ينفعش يتمسك إلا في حالته النصية ، يعني مابيفضلش منه غير النص. و المؤرخ دايما يكون شخص مستريح، على الأقل عنده الورق و القلم و الوقت و المكان اللي هيسمحواله بالعملية الخطيرة المتمثلة في تدوين وقائع عصره، و ياحبذا لو كان زي عمنا الجبرتي مستور و عنده أراضي هو ملتزم عليها. بس ماحدش غلبان مسموح له يكتب التاريخ، حتى و لو كان بيعرف يقرا و يكتب و بيرصد كويس اللي بيحصل حواليه. كده مش هيبقى تاريخ، يمكن يبقى حاجة تانية، أدب مثلا أو يوميات، لأنه مش مسنود بسلطة المال و الجاه و المصداقية العلمية الخروية . في رواية العمامة و القبعة صنع الله إبراهيم اختار تلميذ للجبرتي ، نجا من الطاعون بعد ما أهله كلم ماتوا في الصعيد و جه على القاهرة علشان يجاور في الأزهر ، و اشتغل عند الجبرتي و أقام عنده ، المهم إن التلميذ ده بختار إنه يدون أيامه زي ما بيعمل أستاذه الكبير و الواصل. الحركة دي نفسها في الرواية عجبتني جدا، لأن التاريخ بيتكتب دايما من زاوية فوقية ، و لأن فيه زوايا كتير جدا محتاجين نشوف بيها التاريخ ( أو حتت منه على الأقل ) من أول و جديد ، مش بس زاوية الفقرا و المحرومين ، كمان زاوية الستات في لحظة ما ، زاوية الأقليات و المهمشين ، زاوية أسرى حرب ، زاوية كاتمة أسرار الملكة العلانية ، اتسترا اتسترا اتسترا .
3 – لغة الرواية كانت حريصة على الزمن اللي هي بتشتغل عليه، و كانت ظريفة جدا و هي بتعمل ده .
4 – العلاقة بين بولين الفرنسية و بين الولد المصري، تلميذ الجبرتي ، لم تنزلق للتنهدات و المشاعر و سهر الليالي و الحمد لله .
5 – حسيت إني بأتفرج على فيلم إيقاعه مشوق، على حد تعبير واحد كان قاعد جنبي في المترو و أنا بأقرا الرواية ، و قعد يقرا معايا يجي سبع محطات، لدرجة إني كنت بأخاف أقلب الصحة قبل ما أتاكد إنه خلاص قراها .